الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رضا الناس غاية لا تدرك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هاجر
Admin
avatar

عدد الرسائل : 90
الأوسمة :
تاريخ التسجيل : 05/04/2008

مُساهمةموضوع: رضا الناس غاية لا تدرك   الإثنين مايو 26 2008, 13:27

يتعامل الداعية فى مجتمعه مع كثير من الأنماط البشرية المختلفة، منهم الاجتماعى، والمنطوى، والمفكر، والمبدع، والتقليدى، والواقعى، والخيالى...إلخ، وهو مطالب بأن يتعامل مع هذه الأصناف جميعها، يفهم حاجاتها، ومتطلباتها، ويؤدى واجبه نحوها.

ولما كانت سلوكيات هذه المجموعات متعددة، تأخذ أشكالا عدة من الذهنية، والعضلية، الفردية والجماعية، المادية والروحية، الإيجابية والسلبية، التى يستقيها كل فرد من مجتمعه، أو تمليها عليه مواقف حياتية معينة - كان لابد من تدخل خارجى يفصل فى هذه المنازعات، ويرشد إلى الحل الأمثل لهذه الخلافات، وكان هذا هو دور الرسالات التى تنزلت من السماء على فترات، بمقاييس صحيحة، ومبادئ حكيمة، وكان مصير الجماعة فى سعادتها وشقائها مرتبطا بمدى التمسك بها، واحترامها، قال تعالى: "ولقد بعثنا فى كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" (النحل: 36).

ولكن ليس كل الناس يحترمون هذه الهداية - كما قرر القرآن - وهو ما يعنى أن للأهواء سلطانًا على النفوس يحاول أن يزحم سلطان المقررات التى جاء بها الأنبياء والمرسلون، وبهذا كانت النتيجة الحتمية: دوام المنازعات، وكثرة الخلافات، قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود:119).

أي للاختلاف خلقهم؛ لأنه حين خلقهم منح كلاً منهم حرية العقل وحرية الإرادة، وما دام لكل منهم رأيه الحر وإرادته الحرة فلا بد أن يختلفوا، ولقد اختلف الناس من قبل على الرسل والأنبياء، واختلفوا على المصلحين والعظماء. يقول عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه): «هلك فيّ اثنان: محب غال، ومبغض غال»، وهذه طبيعة الحياة والناس.

بل إن الفرد يدخل في صراع مع نفسه وغرائزه ويقع في حيرة؛ لأنه لا يعرف كيف يرضيها كلها، يقول الدكتور القرضاوي: "غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي. غريزة البقاء، أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم ... أم ... الخ.

وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه، وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع، أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لا تُدرك.

إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضباناً علي لئامها

والعكس بالعكس طبعاً، إذا رضي اللئام غضب الكرام.

وهنا يذكرون الحكاية المشهورة، حكاية الشيخ وولده وحماره: ركب الشيخ ومشى الولد وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ، فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معاً والحمار أمامهما، فتعرضا لنكت أولاد البلد، واقترح الولد ان يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين، فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لأتعبنا أنفسنا، ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً. يا بني لا سبيل إلى إرضاء الناس ، ومن في الناس يرضي كل نفس وبين هوى النفوس مدى بعيد؟ ".

ولعل بعض المواقف الفكاهية تثبت ما توصل له ذلك الرجل من أن رضا الناس غاية لا تدرك، ومن هذه المواقف ما حدث أن أحد المشايخ سأل رجلا لديه زوجتان! هل الزوجتان راضيتان عنك تمام الرضا؟ فأجاب هذا الرجل قائلا ومستشهدا بقوله تعالى: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة: 120).

وعلى ما في هذا الموقف من فكاهة ومرح غير أنه يفرض علينا سؤالاً مهمًا وهو:

هل يستطيع الرجل المعدد أن ينال رضا الزوجات؟

الإجابه نتركها لك – أخي المسلم – ولكن الواقع يثبت أن الرجل يحاول إرضاء زوجته بأي طريقة من الطرق ولكنه رغم اجتهاده في ذلك يجد أنها لا ترضى عنه أبداً ويجد فيما يقدمه لزوجته كثيراً من الانتقادات الكثيرة، وكذلك الأمر عندما تجتهد الزوجة في محاولة كسب رضاء زوجها بطرق متعددة فإنه لا يرضى عنها ويبسط لها كثيراً من الانتقادات.

وفي المجال الدعوي يواجه إمام المسجد اختلاف وجهات نظر المصلين فمنهم من يرغب في أن تكون الصلاة خفيفة ويستشهد بقول النبي (r): "أفتان أنت يا معاذ"، ومنهم من يرغب أن تكون هذه الصلاة طويلة ويقول نريد أن نستمع للقرآن ونتدبر معانيه وكثيرًا ما يقولون للإمام لا تستعجل في الصلاة، ومنهم من يشكو من ارتفاع صوت مكبر الصوت ومنهم من يشكو من خفضه، ومنهم من يشجع الأطفال على الصلاة في المسجد ويجعل لهم الجوائز تحفيزًا لهم وتدريبًا على صلاة الجماعة، ومنهم من يرفض ذلك ويطردهم من المسجد لما يحدثونه من ضوضاء وإزعاج وعلو صوت وكثرة حركة.

ومن أجمل ما قال الشاعر:

ضحكت فقالوا ألا تحتشم بكيت فقالوا ألا تبتسم

بَسَمْتُ فقالوا يُرَائِي بها عَبَسْتُ فقالوا بدا ما كتم

صَمَتُّ فقالوا كَلِيلَ اللسان نطقت فقالوا كثير الكلم

حَلُمْتُ فقالوا صنيع الجبان ولو كان مُقتدِرًا لانتقم

بَسِلْتُ فقالوا لِطَيشٍ به وما كان مجترئًا لو حكم

يقولون شَذَّ إذا قلت لا وَإِمَّعَةٌ حِينَ وافَقْتَهُمْ

فأيقنتُ أنّيَ مهما أُرِِدْ رِضَى الناس لا بُدَّ مِنْ أنْ أُذَمْ

ولقد حاول رسول الله (r) على ما عنده من رصيد ضخم من الأخلاق اشتهر به أن يكسب رضا أهل مكة بدعوتهم إلى التوحيد، ومكارم الأخلاق، فأبوا واستكبروا، وألغوا عقولهم، وانساقوا وراء أهوائهم، وساوموه على ترك الدعوة، فأبى كل الإباء، وعرضوا عليه - من بين ما عرضوا - أن يشاركهم عبادة الأوثان حتى يشاركوه عبادة الله، ومع حرصه على كسب جانبهم، لم يستطع أن يتحلل من التزامات الرسالة، فثبت الله قلبه على الحق، ووالاه بالتوجيه والنصح، قال تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير" (البقرة:120).

وأمام باطلهم واتهاماتهم، وأمام عروضهم الكثيرة لاجتذابه نحوهم، يقول الله له: "قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون" (الأنعام:91).

ولعل من المناسب هنا للداعية أن يعرف من يخاطب؟ والمعرفة لا تقتصر على لقاء أو لقاءين، وإنما لابد من المعايشة والمخالطة، ثم تفهم إمكاناتهم، واستيعاب طاقاتهم، فكل إنسان له حاجات، وتلبية حاجاتهم ورغباتهم نصف الطريق للوصول إلى قلوبهم.

والداعية الذى يتحاكم الناس إليه، كل يريد منه أن يقضى له، فإذا مال قلبه نحو أحدهما، أو فضَّله لمنزلة أو جاه، أو حتى من أجل هدايته، فسينصرف عنه الآخر، وإنما يجب أن يحكم بينهما بما أنزل الله، يقول تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم.." (المائدة: 49).

وقوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب" (ص:26).

والواجب أن يسمع الداعية من كل منهما على حدته، ويزن الأمور بميزانها الصحيح، ويبحث عن نقطة مضيئة فى حجة كل منهما، ويثنى عليه منها، ثم يثبت الحق لصاحبه، وبهذا يضمن محبة الجميع له.

والداعية فوق منبره تتنازعه هموم الناس وآلامهم، فإن خاض فى حديث دون حديث، أو التفت إلى قوم دون قوم تُظن به الظنون، ويوضع فى دائرة الاتهام، ولا عاصم له من ذلك، إلا أن يعلن أمام الجمهور عزمه عن الحديث فى موضوع كذا وكذا فى المستقبل القريب، فيطمئن المضطرب، ويسكن القلق، ويهدأ المرتاب.

ضع فى نفسك - أخى الداعية - أنك عاجز عن إرضاء الناس جميعا، فإن الله تعالى - وهو مالك الأمر كله - آمن به بعض الناس، وكفر به البعض الآخر، ورضى بقضائه أناس وسخط آخرون، ولو شاء الله لآمن من فى الأرض كلهم جميعا، ولكنها إرادة الله.

ورسول الله (r) مرت ببعض أصحابه لحظات خفيفة لم يفهموا حكمة بعض تصرفاته، حتى إذا فهموها عاد إليهم الصفاء، وزاد حبهم له (r)، وما أمر قسمته لغنائم هوازن وإعطاء المؤلفة قلوبهم وموقف الأنصار من ذلك عنا ببعيد..

ولو حاول الداعية أن يرضى النفوس جميعها لعانى معاناة كبيرة، ولذهبت جهوده أدراج الرياح، فكل نفس لها فى كل وقت هوى، ولها مع كل ظرف غرض، ولقد شقى أحد المحبين فى عمل يرضى به حبيبته، وانتهى أمره إلى تصوير حاله بهذه الصورة:

شكوتُ فقالت: كل هذا تبرمًا بحبى، أراح الله قلبك من حبى

فلما كتمتُ الحب قالت: لشد ما صبرت، وما هذا بفعل شجى القلب

وأدنو فتقصينى، فأبعد طالبا رضاها، فتعتد التباعد من ذنبى

فشكواى تؤذيها وصبرى يسوءها وتجزع من بعدى وتنفر من قربى

فيا قوم هل من حيلة تعلمونها أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربى

فإذا كانت هذه مشكلة محب مع حبيبته، فرد مع فرد، فما بالك بمشكلة فرد مع جماهير المجتمع وطوائفه وفئاته؟

بقلم أحمد زهران

صحفي مصري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lafemmearabe.forumchti.com
 
رضا الناس غاية لا تدرك
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الفضاء العربي :: منتدى الاسلامي-
انتقل الى: